السيد محمد باقر الصدر

112

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 )

للكشف عن العلاقات والروابط بين العلوم ، ولوضع نظريات علمية عامّة تعتمد على حصيلة التجربة في مجموع الحقول العلمية ، كما أنّ لكلّ علم فلسفته التي تقرّر أساليب البحث العلمي في مجاله الخاصّ . وفي طليعة تلك المدارس : المادّية الوضعية ، والماركسية . المدرسة الوضعية والفلسفة : أمّا المدرسة الوضعية في الفلسفة فقد اختمرت بذرتها خلال القرن التاسع عشر الذي ساد فيه الاتّجاه التجريبي فنشأت في ظلّه ، ولذلك شنّت هجوماً عنيفاً على الفلسفة ومواضيعها الميتافيزيقية ، ولم تكتف برمي الميتافيزيقا الفلسفية بالتّهم التي يوجّهها إليها أنصار المذهب التجريبي عادة ، فلم تقتصر على القول : بأنّ قضايا الفلسفة غير مجدية في الحياة العملية ولا يمكن إثباتها بالأسلوب العلمي ، بل أخذ الوضعيون يؤكّدون أنّها ليست قضايا في العرف المنطقي بالرغم من اكتسابها شكل القضية في تركيبها اللفظي ؛ لأنّها لا تحمل معنىً إطلاقاً ، وإنّما هي كلام فارغ ولغو من القول ، وما دامت كذلك فلا يمكن أن تكون موضوعاً للبحث مهما كان لونه ؛ لأنّ الكلام المفهوم هو الجدير بالبحث دون اللغو الفارغ والألفاظ الخاوية . أمّا لماذا كانت القضايا الفلسفية كلاماً فارغاً لا معنىً له ، فهذا يتوقّف على المقياس الذي وضعته المدرسة الوضعية للكلام المفهوم ، فهي تقدّر أنّ القضية لا تصبح كلاماً مفهوماً وبالتالي قضية مكتملة في العرف المنطقي إلّاإذا كانت صورة العالم تختلف في حال صدق القضية عنها في حال كذبها ، فإذا قلت مثلًا : ( البرد يشتدّ في الشتاء ) تجد أنّ العالم الواقعي له صورة معيّنة ومعطيات حسّية خاصّة في حال صدق هذا الكلام ، وصورة ومعطيات أخرى في حال كذبه ،